كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
كتاب إسلاميات
عدد الزيارات : 880
أولويات المسلمين في أوربا في ضوء الهجرة النبوية
18 نوفمبر, 2012 - 4 محرم 1434هـ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام من مكة إلى المدينة تمثل حدثا بالغ الأهمية في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي تاريخ الأمة الإسلامية، بل وفي تاريخ البشرية بأسرها، مما جعل عمر رضي الله عنه والصحابة رضوان الله تعالى عليهم يختارونه بداية للتقويم الإسلامي، لما له من أثر كبير في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حياة أمة الإسلام.

أهمية الهجرة النبوية:

فالهجرة من مكة إلى المدينة مثلت تغييرا جذريا في حياة المسلمين، وانتقالا كليا من مرحلة إلى مرحلة.

من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة القوة.

من مرحلة المجتمع إلى مرحلة الدولة.

من حالة الحياة الإسلامية المحدودة داخل المجتمع المكي إلى حالة الحياة الإسلامية الشاملة والمتكاملة بعد الهجرة للمدينة.

وفي هجرة النبي وصحبه الكرام من مكة إلى المدينة الكثير من الدروس لكل مسلم على ظهر الأرض، بل لكل إنسان يريد حياة كريمة، ولكل مجتمع ينشد السمو والرقي والبناء.

وينبغي للمسلمين في أوربا أن يعوا دروس هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وعيا كاملا، وأن يأخذوا من هجرة النبي وتأسيسه لمجتمع المدينة دروسا لهم لتأسيس حياة كريمة في البلاد التي هاجروا إليها.

المسلمون في أوربا بين هجرتين:

حينما نقوم بمقارنة بين هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، بل وهجرة الصحابة والتابعين من بعدهم لبلدان وأماكن أخرى هاجروا إليها واستقروا بها، وماتوا ودفنوا بها، وبين هجرة كثير من المسلمين لأوروبا نجد الفرق واضحا في الأسباب والدوافع التي أدت إلى الهجرة وفي النتائج والآثار التي ترتبت عليها أيضا.

فهجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت لنصرة دين الله تعالى، والدعوة إليه، وإقامة الحياة الإسلامية كما ينبغي أن تكون، ونتج عنها إقامة دولة الإسلام ونشر الدين ونصرته في ربوع الأرض.

وكانت مدينة رسول الله صلى الله عليها وسلم نموذج الحياة الفاضلة، ومركزا لنشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.

وإن كان كثير من المفكرين والفلاسفة كتب، أو حلم بتأسيس المدينة الفاضلة أو الجمهورية الفاضلة، ولم نر أحدا منهم من استطاع أن يوجد ذلك على أرض الواقع.

فإن المدينة التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم هي النموذج الإنساني الفاضل الذي يجب أن تحذو حذوه كل المجتمعات الإنسانية في التأسيس والبناء والحياة الإنسانية الكريمة.

لقد كان رسول الله ولا يزال هو النموذج الإنساني القدوة الذي يجب أن يحتذى ويقتدى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

وتبقى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أيضا مجتمع القدوة لكل مجتمع يريد أن يحيا حياة إنسانية كريمة {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 8 ،9].

كذلك كان الحال في الأماكن التي هاجر إليها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فأسسوا لحياة إنسانية كريمة.

دوافع الهجرة لأوروبا:

وإذا نظرنا في واقع الذين هاجروا إلى أوربا نجد دوافع مختلفة وعوامل متباينة، أغلبها دوافع اقتصادية للبحث عن حياة أكثر رفاهية، أو للتمتع بطيبات الدنيا، بعيدا عن البلاد التي سيطر عليها الفقر واستبد بثرواتها فئة محدودة من الناس.

وهناك من هاجر للعلم والتعلم ثم آثر البقاء فيها لأنه لن يستفيد شيئا مما تعلمه إذا عاد إلى بلاد تحارب العلم والعلماء، وترفع من قدر الجهلة والبلهاء.

وهناك من هاجر فرارا من الظلم والاستبداد السياسي.

فالهجرة التي بدأت لأوروبا منذ ما يقرب من قرن من الزمان الغالب عليها الدافع الاقتصادي بالمقام الأول.

وهذا في حد ذاته ليس عيبا أو مخالفا شرعا بل ربما يكون مطلبا شرعيا في البحث عن الرزق الحلال في جنبات الأرض أينما كان، قال الله تعالى {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 100]، وقال تعالى {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].

لكن حينما يقدم المرء ذلك على دينه ويجعله هو الغاية التي تسبق كل شيء، حينئذ يضيع المرء دينه ودنياه وأهله، وهذا الذي حدث لكثير من الأفراد والأسر حينما هاجروا إلى أوربا، فلم تجد لهم أثرا ملموسا، ولا قدرة على التأثير في غيره، أو حتى الحفاظ على نفسه وأهله من الذوبان والانحراف والبعد عن دين الله تعالى.

بل ينبغي أن نقول إن بعض المؤسسات الإسلامية التي أسست لم تضع أمام أعينها هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما هاجر إلى المدينة.

كيف بدأ النبي صلى الله عليه وسلم؟ كيف ربط المسلمين بربهم؟ كيف علمهم دينهم؟ كيف حملهم هم الدعوة والمسئولية تجاه دينهم والقيام بنصرته؟ كيف وحد المسلمين وألف بين قلوبهم؟ كيف أوجد بينهم التكافل والتعاون؟ كيف أسس النبي صلى الله عليه وسلم لعلاقة واضحة بيّنة بينه وبين غير المسلمين؟ كيف حافظ على مجتمع المدينة وجعله ينمو ويتقدم؟ وسط أجواء العداء والتحزب من قوى الشرك ضد الإسلام وأهله.

أولويات المسلمين في أوربا في ضوء الهجرة النبوية:

إن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته وتأسيسه وبناءه لمجتمع المدينة يدعو المسلمين في أوربا إلى إعادة ترتيب أولوياتهم، فالذي ينظر في واقع الوجود الإسلامي في أوربا يجد: فريقا من المسلمين مشغولا بتحصيل القوت أو المال، وفريقا مشغولا بالألقاب والمسميات، وفريقا مفتونا بحب الظهور في وسائل الإعلام، وفريقا مشغولا ببناء المباني الضخمة الفخمة التي ليس من ورائها طائل كبير، أو عمل كثير.

وسواد المسلمين -إلا من رحم ربك- تائه تتقاذفه الأهواء وتتجاذبه الشهوات، وتحركه العصبيات، وتشغله توافه الأمور وسفاسف الأشياء، إلا من رحم ربك.

وذلك راجع بالأساس لأن الهجرة عند البعض هجرة للدنيا، لكن كل هذا أبدا لا يدعو لليأس أو القنوط.

فبفضل الله يزداد كثير من الخير الذي يوفق الله له من يحبهم ويختارهم لبيان دين الله تعالى والتعريف به والدعوة إليه.

إنما ينبغي أن نرتب أولوياتنا ونصحح نياتنا، ونبدأ بترتيب أولوياتنا في الحياة على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي ذلك الفوز بالدين والدنيا معا.

كما أن البعد عن الدين ومنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه خسارة الدين والدنيا معا.

بأي شيء نبدأ:

أعتقد أن هناك بعض الأمور الأساسية التي ينبغي أن نستفيد منها في حياتنا وفي واقعنا الأوربي من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأهم ما نلحظه ما يلي:

* الإخلاص والتجرد لله تعالى فذلك مفتاح النجاح وسر التوفيق.

* حسن الصلة بالله تعالى فتلك غاية المسلم من الدنيا، وسبب سعادته فيها.

* التخلق بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به.

* الفهم الصحيح لدين الله بمقتضى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بعيدا عن الغلو أو التفريط.

* تفعيل دور المسجد في حياة المجتمع المسلم ليقوم برسالته كما كان مسجد رسول الله صلى عليه وسلم.

* الأخوة بين المسلمين وتحقيق الألفة والمحبة بين المؤمنين.

* إعداد الدعاة الأكفاء للقيام بواجب الدعوة إلى الله على هدى بصيرة.

* نبذ العصبية الجاهلية التي فرقت المسلمين وشتت شملهم باسم القوميات والأعراق، وباسم المذاهب والفرق والجماعات والأحزاب.

* الحرص على الوحدة والترابط والوصول لتحقيق التعاون والتكافل.

* الحرص على تفعيل دور الوجود الإسلامي في بيان الإسلام ونشره، فيصبح المجتمع الإسلامي مجتمع رسالة ودعوة.

* الحرص على العلاقة الطيبة الواضحة مع غير المسلمين انطلاقا مما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في صحيفة المدينة بينه وبين غير المسلمين في المدينة.

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

* رئيس الاتحاد الإسلامي للأئمة والمرشدين بأسبانيا

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0