كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
تقارير ودراسات
عدد الزيارات : 741
فيلم فتح القسطنطينية (الفتح 1453)
04 ابريل, 2012 - 12 جمادى الأولى 1433هـ

 

فتح القسطنطينية والعثمانيون الجدد في تركيا الحديثة

يعرض حاليًا في دور السينما في إسطنبول فيلم تركي عنوانه "الفتح 1453" وتدور أحداثه حول فتح العثمانيين العاصمة البيزنطية القسطنطينية في العام 1453 الذي روي بدماء الشهداء وأصبح أعظم مفتخرات المؤرخين القوميين والدينيين الأتراك. كلاوس كرايزر في قراءة لهذا الفيلم.



بلغت تكاليف إنتاج فيلم "الفتح 1453" سبعة عشرة مليون دولار وهو بذلك أغلى فيلم على الإطلاق في تاريخ السينما التركية والفيلم الأكثر نجاحًا بعد بدء عرضه في الأسابيع الماضية في دور السينما في إسطنبول. ومن الوهلة الأولى يبدو هذا الفيلم الذي أخرجه المخرج التركي فاروق أكصوي وتبلغ مدته مائة وخمس وستون دقيقة ويبدأ بحديث نبوي وقد روت ملحمته دماء الشهداء مناسبًا تمامًا في جدول أعمال العثمانيين الجديد الذي يديره الحزب الحاكم في تركيا - "حزب العدالة والتنمية". ويبدو كذلك أنَّ ممولي مشروع الفيلم وعلى رأسهم أمانة إسطنبول الكبرى التي يحكمها حزب العدالة والتنمية كانوا معجبين كثيرًا برسالته.

منح المؤرخون القوميون الدينيون الأتراك أعلى الدرجات لهذا الفيلم، على الرغم من معرفتهم أنَّه يحتوي على بعض الأخطاء الواقعية المذهلة وأنَّ في تسلسل أحداثه خروجًا واضحًا عن الحقائق التاريخية. وكذلك احتفل معلقو الصحف الشعبية التي تعد رزينة في أمور الدين بقصة فتح القسطنطينية مثلما يصوِّرها هذا الفيلم واتضح ذلك أيضًا في تحمسهم له؛ وبالنسبة لهم يعتبر هذا الفيلم خير دليل على أنَّ بلادهم قادرة على إنتاج أفلام بمستوى أفلام هوليوود، وأنَّ بإمكانهم الآن إنتاج أفلام تاريخية كبيرة مثل فيلم "طروادة".

 

"أمسية ملونة بمستوى المدرسة الابتدائية"

الصورة كينو ساتر

 


: "فاتح القسطنطينية" - السلطان الفاتح محمد الثاني سابع سلاطين بني عثمان حكم في الفترة من عام 1451 وحتى عام 1481

وحتى إنَّ صحيفة راديكال الليبرالية التي أزعجها أنَّ جميع أبطال الفيلم كانوا يتكلمون في كلِّ مناسبة "كما لو أنَّهم يلقون خاطابات" قد مدحت الفيلم وذكرت أنَّ فيه "تأثيرات بصرية ناجحة نسبيًا". ولكن لم يعترض على الفيلم إلاَّ ناقد يكتب في الموقع النخبوي التركي "kültür mafyasi" ذكر أنَّه أمضى في أثناء مشاهدته هذا الفيلم "أمسية ملونة بمستوى المدرسة الابتدائية". وبعد تسعين عامًا من انهيار الدولة العثمانية بلغت عبادة السلطان محمد الثاني ذروتها في هذا الفيلم؛ تمكَّن هذا السلطان من فتح العاصمة الرومانية الشرقية القسطنطينية في التاسع والعشرين من شهر أيَّار/مايو عام 1453 بعد حصارها ستة أسابيع. يؤدِّي دور السلطان محمد الثاني الذي كان عمره إبَّان فتح القسطنطينية ثمانية عشر عامًا ممثل تجاوز عمره أربعين عامًا، هو الممثل ديفريم إيفين الذي يشبه شكله لوحة تظهر السلطان محمد الفاتح النحيل رسمها الفنَّان جينتلي بيليني في عام 1480 وهي موجودة حاليًا في المعرض الوطني في لندن.

وفي الفيلم شخصية رئيسية ثانية تبقى مطبوعة في الذاكرة، هو أولوباتلي حسن الذي يعد في الموروث الشعبي بطلاً استشهد في التاسع والعشرين من شهر أيَّار/مايو بعد أن رفع راية الفاتحين على أسوار القسطنطينية ومهَّد بذلك طريق النصر للجنود الإنكشارية. وفي الفيلم يتم تحويل أولوباتلي حسن إلى مدرب مبارزة وأقرب المقربين من السلطان، كما أنَّه يلعب بالإضافة إلى ذلك دور عاشق رومانسي ويتم استخدامه أيضًا لعرض القتال بين المحاصَرين والمحاصِرين. ويعرض في الفيلم خصم حسن أولوباتلي وهو قائد روماني من مدينة جنوة اسمه غيوستيناني شكَّل رماته التعزيزات الوحيدة التي تستحق الذكر مما حصل عليه اليونانيون من الغرب.

الصورة كينو ستار

دور مجري منشق
 

لم تسقط تحصينات القسطنطينية فقط بفعل قوة وتأثير الصلاة التي كان السلطان شخصيًا يؤديها أمام جيشه الضخم، بل لقد تمثَّل العامل الحاسم الذي تم وصفه في الفيلم وصفًا كبيرًا في دور عمال المناجم وتأثير المدفعية. وفي الفيلم شخصية رئيسية هو المعلم أوربان المنشق عن المجر الذي يدين له العثمانيون في معرفة الطريقة الصحيحة لسكب المدافع الضخمة. ويوجد في الفيلم لدى المعلم أوربان ابنة بالتبني اسمها إيرا (تؤدي دورها الممثِّلة ديليك سربست) اشتراها في سوق للرقيق بعد أن نجت من هجوم قام به الصليبيون على قريتها في كوسوفو وتم تصويره في الفيلم بشكل مثير جدًا. ولا يمدحها سيدها إلاَّ بعدما اكتشفت وهي ترتدي ملابس صبي متدرب المزيج الصحيح لصب المدافع. تلعب هذه الفتاة الألبانية إيرا في الفيلم دور المرأة القوية والذكية - هذا الدور الذي كثيرًا ما يتم تمثيله في الأفلام التركية، ولكنها مع ذلك ترحب بتقدم حسن إليها.

يستخدم الفيلم رسومًا متحركة مرسومة بالحاسوب وذلك بشكل خاص من أجل إلقاء نظرة خلف أسوار المدينة. كان مسرح المناورات الدبلوماسية البيزنطة في منطقة تاريخية مصممة من كواليس تضم قصر القيصر وكنيسة آيا صوفيا وميدانًا لسباق الخيل. وضع المخرج فاروق أكصوي مشهدًا يتم فيه إجراء مداولات حول الوضع السياسي في حمام يشاهد فيه القيصر قسطنطين الحادي عشر وهو يسبح بالماء مع ثلاث فتيات يرتدين ملابس سباحة. فهل كان يريد بذلك إظاهر لعنة "العاهرة بيزنطة" أم أنَّه كان يريد السخرية من لوحات الفنَّانين المستشرقين الذين صوَّروا الحكَّام العثمانيين منغمسين في مثل هذه الملذات؟ وفي آخر المطاف لا يتم حتى التلميح إلى أعمال السلب والنهب التي تعرَّضت لها القسطنطينية على يد الجيش العثماني واستمرت ثلاثة أيَّام. يظهر السلطان محمد متسامحًا عندما يتم عرض جثة القيصر قسطنطين الحادي عشر عليه، إذ يأمر بدفنه حسب تعاليم "دينه". لكن لم يعرض المخرج فاروق أكصوي مشهد الفتيات العذارى اليونانيات اللواتي كثيرًا ما يتم تصويرهن في الأعمال التركية وهن يقمن بتقديم الزهور للفاتحين العثمانيين شكرًا منهن على إنقاذهم المدينة من الاتحاد مع اللاتين. وفي المقابل صوَّر المخرج سلطانه محمد الثاني في كنيسة آيا صوفيا وهو يداعب طفلاً أشقر يقوم هذا الطفل بشد لحيته ليسلي بذلك الفتيات اليونانيات المحيطات بهما.

 

حماس وإعجاب بقوة العثمانيين

لقد أصبح حماس الأتراك الوطني وإعجابهم بقوة العثمانيين تقليدًا تركيًا حديثًا يتجلى هنا في فيلم المخرج فاروق أكصوي فتح مدينة القسطنطينية الذي توجد فيه شخصيات تستحق الملاحظة من حقبة الحكم العثماني. في عام 1951 تم عرض أوَّل فيلم بالأبيض والأسود حول فتح مدينة القسطنطينية "فتح إسطنبول" في دور السينما التركية وقد حطَّم بمبيعاته جميع الأرقام القياسية؛ وفي مقدمته شكر مخرجه أيدين أركون (1918-1982) الذي اشتهر من خلاله قائد مدينة إسطنبول، إذ تولى الجيش التركي حينها الجزء الأكبر من الفيلم. بدأ عصر نهضة الفتح أيضًا في هذه الحالة قبل ذلك، أي في آخر أيَّام الرئيس عصمت إينونو ثاني رئيس للجمهورية التركية. وفي تلك الأيَّام صدر قانون يسمح بفتح أضرحة العظماء الأتراك التي كانت مغلقة في عهد أتاتورك، كما تم فتح ضريح السلطان محمد الثاني.

لوحة الفيلم

 

ومنذ ذلك الحين صار يحتفل بيوم الفتح في كلِّ عام بموكب كبير يذكِّر بنقل السفن عبر البر إلى مياه القرن الذهبي. ومنذ ذلك الحين أيضًا نشأت في تركيا العثمانية الجديدة حتى وإن كان وجودها في وظائف مختلفة؛ فقد كانت مصبوغة بصبغة عاطفية في الأوساط الفنِّية حول المهندس أكرم حقي أيفردي وزوجته سميحة، حيث أسَّسا جمعية لرعاية ذكرى فتح إسطنبول وكان أعضاؤها يرتابون من الحماس للعلمانية ونزعات التحديث الكمالية تمامًا مثلما كانوا يرتابون من الحركة التركية القومية العنصرية.

"آخر المدافعين عن إسطنبول"

وهؤلاء الناشطون "آخر المدافعين عن إسطنبول" لا يمتازون عن المجدِّدين الأناضوليين الغاضبين فقط بمستوى تعليمهم بل كذلك أيضًا بارتيابهم من الحداثة. وكذلك كان لهم تأثير كبير على جيل ما بعد الكمالية، كما أنَّ أفكارهم أثرت أيضًا في تيار الإسلام السياسي الواثق من نفسه والذي ظهر في تركيا في العقود الماضية. وفقط ضمن هذا السياق يمكننا فهم كيف عمل الرئيس التركي تورغوت أوزال الذي توفي إبَّان ولايته الرئاسة في العام 1993 على استخدام العثمانية في السياسة الخارجية، إذ طالب بضرورة رعاية الجمهورية التركية علاقات مميزة مع الذين كانوا في السابق من مواطني الدولة العثمانية ممن يعيشون الآن خارج حدود البلاد. وكان يقصد بذلك "حلقة" تمتد من ألبانيا عبر البوسنة ومقدونيا وكوسوفو إلى تراقيا الغربية اليونانية. وكان يميِّز فيما يخص الأكراد بين من كانوا يعيشون في سوريا والعراق، أي الذين كانوا مواطنين سابقين وبين أكراد إيران "الذين لم يعد لدى الأتراك اهتمام بهم".

لا يمكن الحديث إذًا عن وجود نبذ للتراث العثماني في تركيا الحديثة إذا استثنينا أبناء الجيل الذي ولد بين عام 1908 وعام 1939. يشكِّل فلما فتح إسطنبول اللذان تم تصور كلّ منهما في عام 1951 و2012 حلقات في سلسلة من الروايات التاريخية الوطنية تتعامل مع عصر العثمانيين الذهبي أحيانًا بطريقة مثقفة أكثر وأحيانًا بطريقة تبدو أكثر تجميلية وكذلك أيضًا بطريقة شعبوية عفوية متزايدة. ولكن من الملاحظ أنَّ العثمانيين الذين فتحوا القسطنطينية في هذا الفيلم في عام 2012 كان فكرهم إسلاميًا أكثر من فكر أسلافهم الذين فتحوها في عام 1453.

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0