ما الذي يعجبك ويجذبك لموقع إسلاميات ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
عطاء المشرف
عدد الزيارات : 15129
ويمكرون ويمكر الله
22 سبتمبر, 2013 - 16 ذو القعدة 1434هـ

الخطبة الأولى:

إخوة الإيمان..

وصية الله سبحانه وتعالى التي ناداكم فيها بصفة الإيمان تقواه سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).

معاشر المسلمين..

لا تخطئ العين ولا يخفى على الذهن أن أمتنا اليوم تشهد تآمراً كبيراً ومكراً عظيماً يستهدف أصول دينها ولحمة وحدتها وأسباب قوتها، ومن ثمّ فلابد لنا أن ندرك طبيعة هذه الأحوال، وخير إدراك لها وأعظم بيانٍ شافٍ بشأنها هو في كتاب الله جل وعلا، ونشرع بآيات القرآن المرتبطة برسولنا صلى الله عليه وسلم وسيرته: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال: 30).

المكر في معناه اللغوي هو: التدبير الخفي لإيصال الضرر، فهو عملٌ يجري في الخفاء يهدف إلى إلحاق الضرر بهذا الموكول به، وهنا نبقى قليلاً مع الآيات، يخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم والأمة من بعده بأن الذين كفروا يمكرون وأي أمرٍ أرادوا به المكر، ذكر في الآية ثلاثة وجوه:

{لِيُثْبِتُوكَ}: والإثبات كما نقل عن السدي: الحبس والوثاق، والمقصود هو: الحبس المانع من لقاء الناس ودعوتهم إلى الإسلام.

{أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}: أي: ينفوك عن أرضك وبلدك ويخرجوك من وطنك، وهذا واردٌ في كتاب الله في غير ما آية {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً} (الإسراء: 76)، وهو ديدن أهل الكفر، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} (إبراهيم: 13)، إن كنتم أهل إيمان وصلاح فلا بقاء لكم بيننا، كما قال قوم لوطٍ عن لوطٍ ومن معه: {أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} (الأعراف: 82).

والقتل وإن كان هو غاية المكر إلا أنه أبلغ صور الضعف، إذ لم يصلوا إلى أمر بمنعه ولا بنفي فضاقت حيلتهم إلى القتل، وهنا لابد أن نرجع إلى السيرة النبوية والآية محتفة بهذا الحدث الذي وقع في دار الندوة يذكّرُ الله به رسوله صلى الله عليه وسلم لما اجتمع المشركون يبحثون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس عنده سلاح يقاتلهم به ولا ألحق بهم ضرراً في اقتصادهم ولا أربك مجتمعهم، إنما جاء بقول حق يدعو إليه الناس، ويقيم له الحجة والبرهان، فلمّا اقتنعت العقول وقبلت القلوب ائتمر المؤتمرون واجتمع الكافرون وشهد الاجتماع إبليس في صورة شيخٍ، ثم جرى الحوار، فكان منه نحبسه ونمنعه عن الناس وننتهي من الأمر، قال: ما هذا لكم برأي فيلبث من تأثروا به أن يخرجوه منكم وأن يكونوا معه فيعود حاله أعظم مما كان، قالوا: إذاً نخرجه من أرضنا وننتهي من شأنه، قال: أنسيتم قوة منطقه وحلاوة كلامه، فيسلب غيركم ثم يأتي إليكم، قالوا: فما الرأي؟ فأشار بالقتل ولكن بمكر أيضاً، أشار بقتلٍ يكون ليست فيه عليهم مغبة وليس لأهل المقتول بأخذ حقه قدرة، قال: انتخبوا من كل قبيلة شاباً جلداً فيضربونه ضربة رجلٍ واحدٍ فيتفرق دمه بين القبائل، فلا يستطيع هذا الحي من بني هاشم إلا أن يرضوا بالدية وينتهي الأمر.

هكذا كانت المؤامرات والمشورات والخبرات التي استدعيت من هنا وهناك، والمؤتمرات والندوات، ثم جاء القول الرباني يوجز {وَيَمْكُرُونَ}: وهنا ما قال يمكرون بك، كما قال بعض أهل التفسير للدلالة على الحالة العامة المستمرة في كل زمان ومكان، فحالة أهل الكفر والباطل أنهم دائمو المكر بالحق وأهله، لكن ثمة أمر آخر أعظم وأجل وأكبر لأهل الإيمان فيه خصيصة لهم ولأهل الصلاح فيه سند خاص بهم وهو قوله: {وَيَمْكُرُ اللّهُ}، وهنا كفتان: مكر بشر ضعفاء جهلاء مهما كان عندهم من حيلة وذكاء أو من قوة وبطش يقابله مكر الله جل وعلا، من بيده ملكوت كلِّ شيء، وهو قادرٌ على كل شيء، ولا يعجزه في السماوات والأرض شيء، وما المقصود بمكر الله؟ وجوه متعددة إبطال مكرهم فلا يصل ضره إلى من مكروا به، ومجازاتهم على مكرهم بعقوبتهم ومكرهم يرتد عليهم فتكون العاقبة عليهم والوبال يحل بهم، وذلك ما تجسدت صورته فيما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، اجتمعوا وأحاطوا بالبيت – أي: ببيت رسول الله عليه الصلاة والسلام– والسيوف في أيديهم والأمر محسومٌ عندهم، فغشى الله أبصارهم وخرج الرسول من بين أيديهم وحثى على رؤوسهم التراب، ثم هاجر ثم كانت بدر وما بعد بدرٍ ثم جاء إلى مكة فاتحاً وأصبح المكر لا قيمة له، ولم يصل به إلى من أرادوا إلحاق السوء به إلا أموراً جرت بها خيرات من الله عز وجل، أُخرج من بلده مكة وخرج مهاجراً، لكن في ذلك كان الفتح العظيم وتأسيس موطن القوة وإقامة الدولة ونشر الدعوة وحماية البيضة وكل أمر كان فيه خير للإسلام والمسلمين بما جرى من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أرادوا قتله فمكر الله له، أرادوا به سوءاً فنجاه الله سبحانه وتعالى منهم، وكما قال بعض المفسرين عن مكر الله قال: "مكر الله نصر للحق وإعزاز لأهله، وخذلان للباطل وإذلال لأهله، وإقامة للسنن وإتمام للحكم فيرتد مكر أهل الباطل عليهم"، والعرب تقول في لغتهم: ظلمني فلان فظلمته، أي: جازيته على ظلمه، فليس في مكر الله أمر لا يليق بجلاله سبحانه وتعالى فالمقصود هنا أنه يرد مكرهم ويجازيهم به عقوبة ويجعل عاقبته عليهم.

والمكر فيه خير وشر، قد تتلمس أمراً خفياً تريد به أن توصل خيراً لإنسان، فقد يطلق عليه من حيث الوصف اللغوي أنه مكر، لأن الله جل وعلا سمى المكر بالسيء كما قال جل وعلا: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} (فاطر: 43)، أي: لا ترجع عاقبته إلا على من قام به.

وهنا مأثورٌ عن بعض أهل العلم من السلف قوله: ثلاث من الخلال هي على من عمل بها سترتد عليه، البغي: فالله جل وعلا يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم} (يونس: 23)، والمكر، والله جل وعلا يقول: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} (فاطر: 43)، والنكث: أي نقض العهد، قال: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} (الفتح: 10)، هذه أمورٌ حتمية، آياتٌ قرآنية، حقائقُ إيمانية يخبرها الله عز وجل أن من مكر بسوء فالأمر سيحل به وتكون العاقبة عليه، ومن بغى فإنّ البغي سيكون على نفسه، ومن نكث فسيكون كذلك عليه.

دعونا ننظر إلى هذا المكر فإن له في القرآن دلالات نوجز بعضها فهو أمر قديم وعريق في تاريخ البشرية بين أهل الحق وأهل الباطل الذي يمكرون ويديمون المكر في كل وقت وآن، {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ} (الرعد: 42)، يخبر الله عن تاريخ في البشرية لأهل الكفر {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}: من قبل قريش ومن قبل ما فعلوه برسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قبل ما مكر به اليهود أيضاً في عهده عليه الصلاة والسلام وأرادوا به السوء وأرادوا به القتل، كل ذلك قد وقع من قبل، لكن الله يوجز بالبلاغة العظيمة لكلامه جل وعلا: {فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً}، كل أمر له أسباب المكر جل وعلا وهي بيده وإليه لا يضر مكر من مكر منهم أحداً إلا من أراد الله ضره، فلن يضر مكر الماكرين بمكرهم إلا من شاء الله وإنما ضروا به أنفسهم لأنهم أسخطوا به ربهم حتى أهلكهم، كما قال الطبري في تفسيره والسعدي يقول: "لا يقدر أحد أن يمكر إلا بإذنه وتحت قضائه وقدره سبحانه وتعالى".

ويقول الحق جل وعلا أيضاً: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ} (النحل: 26)، تأملوا هذا المثل القرآني والتصوير البليغ أسسوا بنياناً للمكر والكيد كيف أبطله الله من قواعده {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ} لم يعد هناك أثر، لم يعد هناك شيءٌ باقٍ، بل جاء كله فوق رؤوسهم وهذا من مكر الله سبحانه وتعالى الذي يرد مكر كل ماكر بالباطل ومريد لأهل الخير والحق سوءاً وشراً وضراً نسأل الله عز وجل السلامة.

فصار كما قال الله جل وعلا هنا في هذه الآية مكرهم وبالا عليهم وصار تدبيرهم في تدميرهم ونحن نقول في أمثالنا التي نتعاطاها من قديم: "من حفر حفرة لأخيه وقع فيها"، فإن عاقبة هذا المكر والبغي والكيد الباطل خاصة إذا وجه إلى الحق وإلى أهله فإن هذه عاقبته، ومع ذلك أهل الإيمان ينبغي أن يستبصروا بالقرآن فيعرفوا حقيقة المكر إنه ليس مكراً هيناً بل هو مكرٌ عظيمٌ خطير، قاله الله سبحانه وتعالى في وصف ما كان من قوم نوح: {وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً} (نوح: 22)، أي: عظيماً، أي: خطيراً، بل قال الحق جل وعلا: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} (إبراهيم: 46)، في بعض كتب التفسير تعبير مباشر في المعنى {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}، قال بعضهم: وإن كاد مكرهم {لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}: أي من شدة عظمته وخطورته كأنما سيزيل الجبال، وإن كان قد ورد عن الحسن رحمه الله وجهٌ آخر ينبغي أيضاً أن نستحضره وهو يقول: "مهما عظم مكرهم فإن مكرهم لا تزول منه الجبال"، فهو وإن كان عظيماً لا يحدث ذلك الأثر الكبير الخطير لكننا هنا نقرر الأمر المهم وهو أن هذا المكر خطير ومن جهة أخرى مكر دائم كما قال سبحانه وتعالى في هذا الشأن في وصف ما يكون من حوار يوم القيامة بين المستضعفين والمستكبرين: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} (سبأ: 33)، مكر الليل والنهار قال أهل التفسير بلا خلاف أي: مكرهم المستمر في الليل والنهار الذي لا يفتر الذي لا ينقطع الذي يُغذى دائماً بأسباب من الحقد من التحريض من الدعم من كل الألوان      التي تحشر أهل الباطل في بوتقة يتوجهون بها بكل كيدهم ومكرهم للحق وأهله، والحق جل وعلا يقول: {وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (النمل: 50-52).

وهنا ومضات سريعة عندما يقول الله جل وعلا {وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} هم يدبرون ويخططون والحق جل وعلا يمضي قدره.

خذوا أمثلة.. في قصة يوسف عليه السلام، مكر الإخوة مكراً وفكروا وألقوه في غيابت الجب، وكان لطف الله سبحانه وتعالى وتدبيره وراءهم فأنجاه منهم، ومكر به من أخذوه فاستعبدوه فباعوه فقضى الله أن يباع إلى عزيز مصر حتى يكون في الموطن العظيم، ثم مكرت به النسوة مكراً واتهموه زوراً وبطلاناً فآل به الأمر إلى السجن، فكان تدبيراً فيه خيراً له حتى خرج من السجن إلى سدة الحكم، ثم جاء من بعد بأبيه وإخوته فكأن المشهد حلم لا يصدق كيف جرت أقدار الله؟ كيف مضى لطفه؟ كيف كان تدبيره لعبده سبحانه وتعالى حتى جاء هذا الأمر على هذا النحو ولو مضينا لوجدنا ذلك في قصص الأنبياء جميعاً، أفلم نر كيف كان التآمر والخوف من موسى فخرج لأنه ائتمروا على قتله فكان خروجه فيه خير، فسقى لفتاتين فكان من وراء ذلك استئجاراً وكان من وراء الاستئجار نبوة، وكان من وراء النبوة أتباعاً وكان وراء من الأتباع نصراً، فسبحانه وتعالى لا يهزم جنده، ولا يرد قضاؤه، وسبحانه وتعالى لا يمكن بحال من الأحوال أن تجري أمور أهل الباطل مكراً إلا بما يقدره من إبطال مكرهم جل وعلا.

ومن هنا ندرك هذه الحقائق ونستحضر أيضاً حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم روي بسند حسن وصححه بعضهم في بليغ كلمه الوجيز قال: "المكر والخديعة في النار"، مآل فاعلها ومآلها هي إلى النار وهذا أمر في غاية الخطورة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرد عنا كيد الكائدين وأن يبطل مكر الماكرين، وأن يرد الكيد إلى أهله من المبطلين، إنه جل وعلا ولي ذلك والقادر عليه.

الخطبة الثانية:

معاشر المؤمنين..

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.

المكر أيها الإخوة رأينا صوره تتابع وتتعاظم خلال هذه الفترات القريبة الماضية، رأينا صوراً منه فظيعة كبيرة ما تزال تتجدد في بلاد الشام ورأينا كذلك في مصر، ورأينا كذلك في غيرها من البلاد شرقاً وغرباً، وهنا أقف وقفة لنتحدث ولو بإيجاز عن هذه البلاد بلاد الحرمين، فإن المكر يستهدفها اليوم كذلك، وينبغي أن ندرك أن خصائص مهمة هي التي تجعل هذه البلاد أعظم وآخر وأحصن المعاقل التي ما زالت قلوب الحاقدين من الكافرين ومن المحاربين للإسلام وأهله تغيظ بها.

هذه البلاد بقيت إسلاماً بلا معارض، لم يحكمها في يوم من الأيام نظام شيوعي كما كان في بعض البلاد، ولا قومي ولا اشتراكي بشكل من الأشكال، هكذا اقتضت حكمة الله، وكانت قائمة على تحالف بلا تصادم بين الدعوة والدولة، إذ كان تأسيسها الأخير إنما هو بين إمام يدعو إلى الله وإمام يسير معه لنشر دعوة الله عز وجل، وهذه خصيصة رأينا في كثير من البلاد على مرّ التاريخ القريب والبعيد أنها كانت في غالب الأحوال صراعاً بين من يقيم دعوة الله أو يتكلم بالدعوة إلى الله، وهذه البلاد وفيها الحرمين، لا، ليست إلا للدعوة إلى الله عز وجل، وإذا نظرنا إلى سياساتها المكتوبة وأنظمتها المنصوص عليها لوجدناها كلها ترجع إلى هذا الإسلام، فسياسة التعليم تقرر تعليم العقيدة والتربية والدعوة، وسياسة الإعلام تجعل الإعلام غرضه كله أساساً أن يبشر بالإسلام وأن ينافح عن العقيدة وأن يرغّب في الإسلام وأن ينشر المحاسن وأن يبيّن الحق ونحو ذلك.

وكانت كذلك معقلاً للسنة في الجملة بلا بدعة، واليوم كل ذلك يستهدف وكانت كذلك للنصرة لأهل الإسلام بلا خذلان وكانت دائماً دعوة ائتلاف ضد الفرقة والاختلاف، واليوم انظروا إلى الواقع فسنجد أن هناك أقلاماً تكتب وألسنة تتكلم وأموراً تحاك في الخفاء تريد أن تبعد هذه البلاد وهي موطن الإسلام عن الإسلام وتسمع دعوات كأنما هي في خارج التاريخ والجغرافيا وخارج التفكير المنطقي عندما يقال لا ينبغي أن يكون الإسلام متدخلاً في السياسة وهذه بلاد الإسلام وهذه دستورها كتاب الله وسنة رسوله، كيف ستنزع ذلك؟ كيف نريد أن نغيِّر هذا الواقع الذي لا يمكن أن يتغير، فإن تغيّر في مكان لا يتغير في مكان هو أصل هذا الإسلام، كيف سيكون الأمر؟ هل ستلغى خطب الجمعة؟ هل ستلغى الدعوة إلى الله عز وجل؟ هل سيلغى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ كيف نسمع مثل هذه المقالات؟ وكيف نسمع هذه الترويجات؟ كلها في الحقيقة مع كل هذه المنظومة الكبيرة في عالمنا الإسلامي تريد أن تنال من إسلام هذه البلاد، من نصرتها للدعوة، من إقامتها للسنة، من دفاعها عن الإسلام، وقد تنال من ذلك، وهذا من أعظم المكر ومن أشده، ولكننا كما قلنا من قبل نوقن أن هذا المكر سيحيق بأهله وأنه لن يصل إلى مبتغاه، لكننا في الوقت نفسه كما رأينا في آيات القرآن ندرك أنه مكر كبير وخطير، ينبغي أن نلوذ فيه إلى الاستمساك بكتاب الله وسنة رسوله والتأكيد على إيماننا واعتقادنا، هويتنا الإسلامية، أخلاقنا وقيمنا الإيمانية، على وحدتنا الإسلامية، على سنيتنا التي نتبع فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالح رضوان الله عليهم، على إيماننا وتوحيدنا وعقيدتنا وعدم رضانا بالبدع التي تُخرج عن هذا النهج القويم، كل ذلك يستهدفني ويستهدفك لأنه يستهدف أعظم ما نملك، وهو إيماننا وإسلامنا وارتباطنا بهويتنا وامتدادنا عبر التاريخ منذ أن صدع محمد صلى الله عليه وسلم بما أمره الله عز وجل به من الدعوة إلى هذا الإسلام وامتداداً عبر القرون كلها في هذه البلاد، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يحبط مكر الماكرين، وأن يرد كيد الكائدين إلى نحورهم، وأن يسلم بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه وأن يحفظ أمنها وإيمانها وسلمها وإسلامها، وأن يجعلها قائمة بالحق وألّا يجعل فيها مكاناً لنصرة الباطل ولا لنشر البدعة ولا لقبول الانحراف عن دين الله سبحانه وتعالى.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا بكتابه مستمسكين ولهدي نبيه صلى الله عليه وسلم متبعين ولآثار السلف الصالح مقتفين.

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0