كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
نصرة فلسطين
عدد الزيارات : 1114
سفر الحوالي .. والتأصيل الشرعي للقضية الفلسطينية
14 ابريل, 2011 - 10 جمادى الأولى 1432هـ

من السِّمات التي تُميِّز فكر الحوالي ومواقفه في القضيَّة الفلسطينيَّة هو النَّظرة الشَّموليَّة التي ينظرُ بها إليها؛ حيث لا يُنْظَرُ إليها في حدود إنَّها قضيَّةٌ سياسيَّةٌ أو حتى قضيَّة مُقدَّساتٍ محصورةٌ في داخل حدود فلسطين أو ما حولها من إقليمٍ؛ بل هي ضمن إطارٍ أوسعَ، وهو ذلك المُتعلِّق بسياسات التَّحالف الغربيِّ المسيحيِّ اليهوديِّ إزاء العالم العربيِّ والإسلاميِّ، ومشروعات قوى الاستكبار العالميِّ في أفنِيَتنا الخلفيَّة والأماميَّة.

ولذلك هو لا يتكلَّم كثيرًا عن قضيَّة الأقصى والمُقدَّسات أو يناقش البُعد الإسلاميِّ للقضيَّة الفلسطينيَّة، فهي في الأساس أمورٌ مفروغٌ منها؛ حيث إنَّ الطَّابع الكُلِّيَّ لنظرته للأمور تجعل مِن الحديث عن الجزئيَّات أمرًا مشمولاً ضمنيًّا في الكلام، وغير قابل للنَّقضِ أو النِّقاش لديه، فهو في الأصل يعتبر فلسطين أرضًا إسلاميَّةً اغتصبها اليهود ضمن مشروعٍ استعماريٍّ غربيٍّ أوسع نِطاقًا، ولذلك، وانطلاقًا من خلفيَّاته كدارسٍ وعالِمٍ شرعيٍّ؛ حيث الجزء مشمولٌ بحكمِ الكُلِّ، فهو يرى أنَّ كلَّ فلسطين قدسًا، ولا مجال للمُفاصلة في هذا الأمر.

لذلك ترتبط الأوضاع في أفغانستان والعراق وفلسطين، وغيرها مِن البقاع التي استهدفتها الآلة العسكريَّة الأمريكيَّة في العالم الإسلاميِّ بعد أحداث 11/9، لدى الحوالي في بوتقة إدراكٍ واحدةٍ، بل وتبلغ درجة شموليَّة وبعد النَّظرة لديه أنْه يضع ما يجري اليوم مِن هجماتٍ على أرض الأُمَّة ومقدساتها في إطارٍ زمنيٍّ يمتدُّ إلى فترة الحروب الصَّليبيَّة، ولذلك هو لا يتساهل أو يميل إلى التَّخفيف في فتاواه أو مواقفه في هذا الإطار؛ حيث هو يُدركُ أهمِّيَّة وخطورة هذه الأوضاع وارتباطها بعضها ببعض.

من هو سفر الحوالي؟

هو الشَّيْخ سَفَرٌ بن عبدِ الرَّحمنِ بن أحمدِ بن صالح آل غانم الحوالي، رئيس الحملة العالميَّة لمُقاومة العدوان التي تُعارض السِّياسات الأمريكيَّة والصُّهيونيَّة في العالم الإسلاميِّ، وتدعم فكرة المُقاومة ضد الاحتلال الإسرائيليِّ والأمريكيِّ في كلِّ مكانٍ يوجد فيه احتلالٌ في عالمنا العربيِّ والإسلاميِّ، ويُعدُّ أحد أهم عُلماء أهلِ السُّنَّة والجماعة في المملكة العربيَّة السَّعوديَّة وعلى مستوى العالم العربيِّ والإسلاميِّ، ومن أكثر الشَّخصيَّات الدَّينيَّة تأثيرًا في الرَّأي العام في بلادها وخارجها؛ ليس في مجالات الفتوى والدَّعوة فحسب؛ بل على مستوى القضايا السِّياسيَّة أيضًا، وخصوصًا المرتبطة بجوانب دينيَّةٍ مثل فلسطين.

تلقَّى الحوالي دراسته الجامعيَّة في جامعة "أُمُّ القرى"، وأشرف عليه في دراساته العليا العلامة الشَّيْخ مُحَمَّد قطب، وكانت رسالة الماجستير الخاصة به حول العلمانيَّة، فلسفتها وأصولها وتطوُّرها وموضع الفكر العلمانيِّ في العالَم العربيِّ والإسلاميِّ، بينما كانت الرِّسالة التي نال بها درجة الدُّكتوراه في العقيدة والأديان والمذاهب المُعاصِرة مِن جامعة "أُمُّ القرى"، حول ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلاميِّ، وكلا الرِّسالتَيْن طبعتا في كُتُبٍ عامَّةٍ.

ومن بين أهمِّ كتاباته في هذا المقام: "القدس بين الوعد الحق والوعد المفترى"، وكتاب "يوم الغضب هل بدأ بانتفاضة رجب؟.. قراءةٌ تفسيريَّةٌ لنبوءات التَّوراة عن نهاية دولة إسرائيل"، وكتاب "الانتفاضة والتَّتار الجُدُد" الذي وضعه عقب الاحتلال الأمريكيِّ للعراق، كذلك وضع العديد مِن المُؤلَّفات حول الاحتلال الأمريكيِّ للعراق، ومن بينها كتاب "الإرهاب الأمريكيُّ في العراق"، و"رسالة إلى إخواننا في العراق".

ومن بين الظَّواهر التي عُنِيَ بها الحوالي في كتاباته أيضًا، قضية التَّربية؛ حيث ألف العديد مِن الرَّسائل التَّربويَّة التَّوجيهيَّة في كيفيَّة بناء الشَّباب المسلم، وساهم في الإطار، كما هي العادة في شأن الجانب العمليِّ من نشاطاته، في رعاية العديد مِن المناشط التَّربويَّة والاجتماعيَّة في المملكة وخارجها، وساهم في تنشئة الآلاف من شباب المسلمين على المنهج الإسلاميِّ الصَّحيح المعتدل بعيدًا عن التَّطرُّف الفكريِّ أو التَّساهُل، كليهما.

كما اهتمَّ أيضًا بقضايا الفرق والأديان القديمة والمُعاصِرة، وخصوصًا الإسلاميَّة منها، فله كتابٌ بعنوان "أصول الفرق والأديان والمذاهب الفكريَّة المُعاصِرة"، وأكثر مِن كتابٍ عن منهج الأشاعرة مِن وجهةِ نظر أهلِ السُّنَّة والجماعة، وله كتابٌ فكريٌّ شديد الأهمِّيَّة بعنوان "مُقدِّمَةٌ في تطوُّرِ الفِكْر الغربيِّ والحداثة".

ويُعتبر الحوالي أحد أبرز المُفكِّرين المعاصرين تتبُّعًا للأحداث في أعماله كما يتَّضِح من خلال كتبه ومنشوراته المختلفة، وأيضًا مِن خلال البيانات المُختلفة التي يُصْدِرها بين فترةٍ وأخرى عند وقوع حدثٍ ما في هذا الإطار، كما في حالة "بيان للأُمَّة وخطابٌ إلى بوش" بعد غزو أفغانستان والعراق و"نداءٌ لنُصرة المُرابطين في فلسطين" بمناسبة انتفاضة الأقصى الثَّانية.

والحوالي أيضًا أديبٌ له العديد مِن القصائد المشهورة، ومن بينها "ملحمة الشَّام" و"إعلان المبادئ" و"طلعة المجد" و"وداعًا يا أُمَّاه" و"الرَّعيل الأوَّل" و"يا جدارَ الصَّمتِ".

شارك الحوالي مع عشراتٍ آخرين مِن المُفكِّرين والعلماء وطُلاب العِلم في المملكة وخارجها في بناء خطابٍ إسلاميٍّ مُتكاملٍ ومُتوازنٍ بعيدًا عن التَّطرُّف الفكريِّ أو التَّفريط، وتتميَّز هذه المدرسة الجديدة التي يُعْتَبَرُ الحوالي من روَّادها بالاعتدال والتَّكامُل المنهجيِّ والعلميِّ، ومِن أهمِّ رموز هذه المدرسة الحوالي والعَودة والدُّكتور ناصر العمر والدكتور عائض القَرْني والدُّكتور علي القَرْني.

ولقد تولَّى الحوالي والعلامة سَلمان بن فهد العَودة مهمةَ بِناء الإدراكات السياسيَّة والفكريَّة والعقيديَّة للشَّباب المسلم، بينما تولَّى ناصر العمر مسئوليَّة التَّوجيه التَّربوي والأخلاقيِّ للشَّباب، بينما اختصَّ عائض وعلي القرني وغيرهما بمسئوليَّة البناء الرُّوحيِّ والنَّفسيِّ.

فلسطين في أدبيَّات الحوالي

يُعْتَبَرُ الشَّيْخ سَفَر الحوالي من العلماء والمُفكِّرين غزيري الإنتاج، والمُتنوِّع في إنتاجه على تعدُّدِ اهتماماته وشموليَّة رؤيته فيما يتعلَّق بالقضايا الكُلِّيَّة التي يهتمُّ بها، ولذلك فإنَّه مِن الصُّعوبة بمكانٍ القيام بتحليلِ مضمونٍ أو قراءةٍ مُتفحِّصَةٍ في أدبياته ومخرجاته الفكريَّة حول قضيَّةٍ بعينها مِن دون النَّظر إلى الإطار الكُلِّيِّ الذي يدور في إطاره فكر ونشاط الحوالي.

فهو لا ينظر إلى كلِّ قضيَّةٍ من قضايا المسلمين على حدة؛ بل يضعها جميعها في إطارٍ واحدٍ شاملٍ يضمُّها جميعًا، على اعتبار أنَّها، غالبيَّة هذه القضايا، ذات ارتباطٍ ببعضها البعض في أساسها وسببيَّتِها، فعندما يتناول الحوالي قضيَّة أفغانستان على سبيل المثال أو الاحتلال الأمريكيِّ للعراق أو غير ذلك؛ فهو لا ينظر إليها في نطاق كونها قضيَّةً معزولةٍ عن الإطار السِّياسيِّ والعقيديِّ الأوسع الذي يحكم السِّياسات الأمريكيَّة والغربيَّة في العالم العربيِّ والإسلاميِّ، كما لا ينظر إليها في إطارها الزَّمنيِّ الآني؛ بل يردها إلى جذورها السِّياسيَّة والتَّاريخيَّة الأصليَّة، ويعطي الدَّليل على ذلك.

ولذلك، فإنَّ المُطَّلِع على أدبيَّات الحوالي ومواقفه وأفكاره سوف يجد صورةً كُلِّيَّة كاملةً لمُخطَّطات التَّحالُف الغربيِّ الصُّهيونيِّ قريبة وبعيدة المدى في منطقتنا العربيَّة والإسلاميَّة، وسوف يجد الحوالي نفسه قد جمع أجزاء وأطراف هذه الصُّورة في بعض كتاباته المُهمَّة مثل محاضرة "العالم الإسلاميُّ في ظلِّ الوفاق الدَّوليِّ"، وكتاب "كَشْفُ الغُمَّةِ عن عُلماء الأُمَّة- وعدُ كيسنجر والأهداف الأمريكيَّة بالخليج"، والَّلذَيْن وضعهما قبل وخلال أزمة الخليج الثَّانية في مطلع التِّسعينيَّات الماضية.

كما سوف يجده يربط هذه القضايا وتطوراتها بالعديد مِن الأمور الأخرى ذات الصِّلة حتى ولو بشكلٍ غير مباشرٍ، فهو عندما يتحدَّثُ عن أفغانستان والجذور التَّاريخيَّة للأزمة هناك؛ فهو يتناول دَوْر الجِهاد الأفغاني في سقوط الشُّيوعيَّة العالميَّة وتغيير بنية النِّظام العالميِّ ومعالم حركة السِّياسة الدَّوليَّة.

وفي الإطار لا يهمل في إطار قراءاته للواقع المُعاصِر والتَّاريخ الجانب التَّنظريِّ المطلوب؛ فهو عندما يدرس "دَوْر الجِهاد الأفغاني في سقوط الشُّيوعيَّة العالميَّة"، فهو يكون حريصًا على توضيح المفاهيم التي يتناولها في هذا، مثل مفهوم الجِهاد ومعناه في الإسلام، ويدرس الشُّيوعيَّة ومقابلها في الغرب، مثل العلمانيَّة والِّليبراليَّة.

ولكنَّه فيها لا يقف عند حدود التَّنظير فقط؛ بل يمعن القراءة الجوانب العمليَّة لهذه المفاهيم، فيرى كيف تؤثِّر الأفكار العلمانيَّة، على سبيل المثال، في فكر وسلوك الغرب، أفرادًا ومجتمعاتٍ وحكوماتٍ، وكيف نتأثَّر نحن كعربٍ ومسلمين وقضايانا بهذا كُلِّه، في صورة مشروعاتٍ استعماريَّةٍ أو سياسيَّةٍ أو على مستوى الغزو الفكريِّ والثَّقافيِّ والتَّغريب، ويُوجِّه إلى كيفيَّة مواجهة هذه التَّأثيرات على مختلف المُستويات.

وكمَلْحَظٍ عامٍّ فإنَّ الحاكميَّة في مواقف وثوابت الحوالي هي الشَّريعة الإسلاميَّة وفق ما جاء في النَّصِّ القرآنيِّ وصحيح النَّصِّ النَّبويِّ، ولذلك فهو لا يَتراجع عن مواقفه أو يخرج عنها، باعتبار أنَّه تبنَّاها بناءً على قناعةٍ بأنَّ هذا هو ما يوجِّه إليه الإسلام، ولذلك فلا مجال للمُفاصلة أو الموائمة فيه، خصوصًا في الجوانب العقيديَّة أو ذات الصِّلَّة بالأمن القوميِّ للأُمَّة الإسلاميَّة ومصالح المسلمين المُرْسَلة.

ولذلك، فإنَّه عند الحديث عن قضيَّة فلسطين والقدس في فكره وحراكه العام فإنَّنا إزاء اتجاهَيْن رئيسيَّيْن وفي كلٍّ منها اتِّجاهاتٌ جزئيَّةٌ وتفريعاتٌ؛ الاتِّجاه الأوَّل هو ذلك المعنيُّ برصد مواقف الحوالي المُباشِرة مِن قضيَّة فلسطين والصِّراع المُباشر مع اليهود فيها وديناميَّات حركة المشروع الصُّهيونيِّ وروافده الفكريَّة، أمَّا الاتِّجاه الثَّاني فهو ذلك المعنيُّ برصد قضيَّة فلسطين في الإطار العام الكُلِّيِّ لتناوُل الحوالي لواقع الأُمَّة الإسلاميَّة ومُخطَّطات الغرب وسياساته تجاهها.

ومن خلال مراجعةٍ لكتابات الحوالي ومحاضراته وإصداراته المُختلفة، فإنَّ هناك العديد من التَّبويبات أو التَّصنيفات الموضوعيَّة لما وضعه حول فلسطين وتناول الصِّراع المُباشر مع اليهود فيها، ومن بين هذه التَّبويبات ثلاثةٌ رئيسيَّةً؛ وهي:

- الجِهاد والنُّصرة، وواجبات كلِّ مسلمٍ تجاه فلسطين على مختلف المستويات، سواءٌ من خلال الجِهاد بالنَّفسِ أو من خلال أدواتٍ أخرى كالمقاطعة الاقتصاديَّة.

وينطلقُ خِطاب الحوالي في هذا الجانب، واجبات النُّصرة والجِهاد، مِن مُنطلقاتٍ عدَّةٍ، تربويَّةٌ وشرعيَّةٌ بالأساس، فهو عندما يتحدَّث عن واجبات المسلمين في نُصرة إخوانهم في فلسطين ونصرة المقدسات والجِهاد في سبيل الله تعالى هناك؛ فهو يعرض أولاً الجوانب الشَّرعيَّة التي تفرض ذلك، ثُمَّ يوجه، مِن خلال خطابٍ تربويٍّ، جمهور قُرَّائه ومستمعيه إلى ما يجب عليهم القيام به في هذا الجانب

- بعض الجوانب السِّياسيَّة المرتبطة بالقضيَّة الفلسطينيَّة، مثل الدَّعم الأمريكيِّ لإسرائيل وخلفيَّاته العقيديَّة والسِّياسيَّة، والعلاقة ما بين فصائل المقاومة الفلسطينيَّة ومظاهر تقصير المُسلمين في أداء الواجبات المطلوبة منهم إزاء فلسطين.

فبرغم المُنطلقات الشَّرعيَّة والأخلاقيَّة وكذلك التَّربويَّة التي تُميِّز رؤى وأحكام الحوالي فيما يخص ثوابت وقضايا الأُمَّة؛ إلا أنَّه لم يغِبْ في أفكاره وكتاباته عن القضايا ذات الطَّابع السِّياسيِّ البَحْت فيما يخص الواقع الفلسطينيِّ ومشكلة الانقسام بين حماس وفتح، والبيئة الإقليميَّة والدَّوليَّة التي تسير في إطارها القضيَّة، وخصوصًا أوضاع المسلمين العامَّة ومشكلاتهم والدَّعم الأمريكيُّ لإسرائيل؛ مظاهره وبواعثه العقيديَّة.

- الرَّوافد العقيديَّة للمشروع الصُّهيونيِّ، مثل كتاب التَّلمود، وأهم تجلياتها السِّياسيَّة، كما في مشروع إسرائيل الكبرى مِن النِّيل إلى الفُرات.

حيث قدَّم الحوالي العديد من القراءات الرَّوافد الفكريَّة والعقيديَّة التي تصنع السُّلوك الإسرائيليِّ تجاه الفلسطينيِّين والعرب، ومشروعات إسرائيل السِّياسيَّة في المنطقة، وطبيعة تفكير اليهود بشكلٍ عامٍّ، وربَّما كان الَّلافت أنَّ الحوالي قد قدَّم اقترابًا جديدًا في مسألة تفسير المآلات التي تحوَّل إليها مشروع "إسرائيل الكبرى" التَّوراتيِّ يقوم على أساس استبدال الأرض "مِن النِّيل إلى الفُرات" بالهيمنة السِّياسيَّة والثَّقافيَّة والاقتصاديَّة.

الإطار الإسلاميِّ والعالميِّ للقضية

فَرَضَتْ طبيعة الفكر والنَّظرة الشَّاملة التي ينظرُ بها الشَّيْخ سَفَر الحوالي للقضايا التي يُعالجها ويهتمُّ بها في أدبيَّاته أنْ يكون لدراسة فلسطين في خطابه العام وفكره اتِّجاهان رئيسيَّان؛ الأوَّل الذي يدرس القضيَّة في إطارها العامِّ المتعلِّق بفلسطين وصيرورات الصِّراع العربيِّ- الإسرائيليِّ، وفي إطارها الإقليميِّ والدَّوليِّ كقضيَّة فلسطين، والثَّاني هو دراسة القضيَّة في الإطار الأشمل لها، وهو كونها واحدةٌ مِن القضايا العامَّة للعالم الإسلاميِّ، وارتباطاتها الأشمل في هذا المُقام بسياسات الولايات المتحدة والتَّحالُف الغربي المسيحيِّ اليهوديِّ في العالم العربيِّ والإسلاميّ.

وبعد رصد بعضٍ مِن معالم فكره وخطابه في الاتِّجاه الأوَّل؛ فإنَّ الحوالي يُقدِّمُ في الاتِّجاه الثَّاني رؤيةً شموليَّةً كُلِّيَّةً حول قضيَّة فلسطين تتضمَّن ما هو عقيديٌّ وما هو سياسيٌّ في سياسات الولايات المتحدة والتَّحالُف الغربيِّ، وكذلك القضايا والأوضاع الفكريَّة والسِّياسيَّة العامَّة على مستوى العالم الإسلاميِّ.

كما اهتمَّ الحوالي في هذا الإطار أيضًا بربط قضيَّة فلسطين بالعديد مِن قضايا العالم الإسلاميِّ الأخرى المُتَّصلة بالهجمة الغربيَّة الشَّاملة على الأُمَّة الإسلاميَّة، كما في العراق وأفغانستان والصومال، والقضايا المرتبطة بذلك، مثل مسألة ما يُعْرَفُ بالحرب العالميَّة على الإرهاب، والتي تفجَّرَتْ بالأساس بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م.

إلى ذلك؛ فإنَّ الحوالي في نظرته الشَّاملة لقضايا الأُمَّة، وموضع قضيَّة فلسطين منها؛ فإنَّه يتناول عددًا مِن القضايا والأمور ذات الطَّابع الفكريِّ، ومن بينها الحديث عن العولمة والعلمانيَّة وتأثيراتها على العالم العربيِّ والإسلاميِّ، وتأثيراتها على قضايا الأُمَّة وصيروراتها، ومن بينها قضيَّة فلسطين، والتَّأثيرات المُتبادلة ما بينها وبين الإطار العالميِّ، كما الحال في موضوعٍ تناول فيه تداعيات انتفاضة الأقصى الثَّانية على الإطار العام.

كما يضع اهتمامًا خاصًّا لرصد الكثير مِن مظاهر العلاقات الأمريكيَّة الإسرائيليَّة، وارتباط الكثير مِن التَّطوَّرات في مِنطقتنا العربيَّة والإسلاميَّة والسِّياسات الأمريكيَّة فيها بصيرورات هذه العلاقات، وأنساق التَّفكير الأمريكيَّة في هذا الإطار، وهو ما جعله يرصد بعض معالم الفِكر والثَّقافة الأمريكيَّة، وتأصيليها بشكلٍ كاملٍ مِن خلال الرَّوافد التي صنعت هذا الفكر وهذه الثَّقافة، مثل العلمانيَّة وثقافة رُعاة البقر أو الـ"كاوبوي"، وغير ذلك، وكذلك الحالة الأخلاقيَّة القائمة في الولايات المتحدة، وكيف توجِّه السُّلوك الأمريكيِّ.

وفي هذا؛ فإنَّ للحوالي العديد مِن العبارات ذات الدَّلالة في نقل طبيعة تأصيله النَّظريِّ لمختلف هذه المسائل، وكيف يجمعها مع بعضها البعض، وخصوصًا فيما يتعلَّق بقضيَّة السِّياسات الأمريكيَّة إزاء العالم الإسلاميِّ مقارنة بسلوك الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، ففي فقرةٍ بعنوان "المواقف الأمريكيَّة ضد الشُّعوب الإسلاميَّة" في خطابه الشَّهير المفتوح إلى الرَّئيس الأمريكيِّ السَّابق جورج بوش الابن بعد غزوه العراق في ربيع العام 2003م، يقول الحوالي:

"ثُمَّ جاء والدكم الرَّئيس (جورج) بوش (الأب) فجَعَلَ ازدواجيَّة المعايير مشاهدةً لكل عين، ملموسةً لكل يد، فقد انتهك العراق مِن القرارات الدولية ما انتهكت إسرائيل أضعافَه ولا تـزال، وقد كانت ذريعة العراق في ذلك تُشبه ذريعة أمريكا في ضمِّ تكساس، أمَّا ذريعة إسرائيل في احتلال فلسطين فهي أسوأ مِن ذريعة البريطانيِّين في إبقاء أمريكا مُستعمرةً بريطانيَّةً، وأشنع ممَّا تذرَّع به أجدادكم لإبادة الهنود الحمر!!".

وعلى أهمِّيَّة وخطورة المرحلة الرَّاهنة التي تمرُّ بها الأُمَّة الإسلامية؛ يُلاحظ أنَّ طبيعة الخطاب العام للحوالي يميل إلى التَّحديد والحسم في الموقف والرُّؤية والحُكْمِ؛ حيث لا يوجد مجالٌ للمفاضلة بين خياراتٍ عديدةٍ في قضايا ذات حساسيةٍ مثل النُّصرة في فلسطين وغيرها مِن بقاع العالم الإسلاميِّ الأخرى المأزومة؛ حيث يحكم بكفرِ مَن ينصر الكفار على المسلمين، كما لا يفرِّط في مسألة أهمِّيَّة ردِّ مختلف المسائل والقضايا التي تمرُّ بها الأُمَّة إلى إطارها الإسلاميِّ.

فهو لا يرى بديلاً عن البديل الإسلاميِّ ذاته، ويعلِّقُ كثيرًا على المُشكلات التي نَتَجَتْ عن سيطرة التَّيَّارات والأفكار غير الإسلاميَّة، كالاشتراكيِّين والقوميِّين العرب، على صيرورات القضيَّة الفلسطينيَّة وقضايا الأُمَّة بشكلٍ عامٍّ، وكذلك يُفنِّد أفكار التَّيَّارات العلمانيَّة التي تدعو إلى استبعاد الإسلام مِن مُعادلة قوَّة الأُمَّة في مُواجهة خصومها.

ومن خلال قراءة نصوص الحوالي ووجهاتِ نظره ورؤاه في هذا المجال، وكيف يربط بين قضيَّة فلسطين وهذه الأوضاع، والواقع الذي يحياه طرفَيْ المعادلة الأساسيَّيْن؛ العالم الإسلاميِّ مِن جهةٍ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهةٍ أخرى؛ فإنَّ لديه أربعةُ اتِّجاهاتٍ أساسيَّةٍ للتَّفكير؛ وهي: انتفاضة الأقصى الثَّانية، وتأثيراتها في الإطار العالميِّ، وكيف أوقفت الانتفاضة مشروع العولمة الأمريكيِّ الغربيِّ، وواقع الأُمَّة المسلمة في الوقت الرَّاهِن وواجبات النُّصرة.

الاتجاه الثَّالث والرَّابع مرتبطان بالطَّرف الآخر؛ الولايات المتحدة؛ حيث اهتمَّ بالسِّياسات الأمريكيَّة في العالم الإسلاميِّ ومُحدِّداتها، ومتطلبات التَّعامُل معها، وكذلك دَرَسَ الواقعَ الأمريكيِّ مِن الدَّاخل، وبعض الرَّوافد المُؤثِّرة على الفكر والثَّقافة الأمريكيَّة، وبالتَّالي السَّياسات الأمريكيَّة في الفضاء الإسلاميِّ.

الجوانب العمليَّة لنصرة فلسطين..

استتبع المَشروع الفكريُّ للحوالي وتوجهاته العمليَّة إلى دخول الشَّيخ في العديد مِن المشروعات وتأسيس عددٍ من الأُطُرِ لتحرير أفكاره هذه وتطبيقها، كما في حالة "جمعيَّة الكتاب والسُّنَّة"، وكذلك شارك الحوالي في إطلاق الحملة العالميَّة لمقاومة العدوان، في أبريل 2003م، استجابةً لظروف الغزو الأمريكيِّ على العراق، والتي عُقِدَ مؤتمرها التَّأسيسيُّ الأوَّل في فبراير 2005م.

وتُعرِّف الحملة التي يترأسها العلامة سَفَر الحوالي، نفسها على أنَّها "الإطار العامُّ الذي تتضافر فيه جهود أبناء الأُمَّة لتذكيرها بواجب النُّصرة، وتوعيتها بحقِّها في الدِّفاع عن نفسها، ومُناهضة المعتدي بالطُّرق الشَّرعيَّة المُمكنة وبالوسائل المُؤثِّرة، ومِن النَّاحية النِّظاميَّة، تُعدُّ الحملة مُستقلةً، فهي لا تتبع أيَّةَ حكومةٍ ولا تُعبِّرُ عن أيَّةِ حكومةٍ أو حزبٍ أو جماعةٍ بأيِّ شكلٍ مِن الأشكال؛ إنَّما هي حملةٌ لها أهدافٌ مُحدَّدةٌ، وتتعاون في ذلك مع المُؤسَّسات والمُنظَّمات المُماثلة لها، وتنسِّقُ معها مِن أجلِ الأهداف المُحدَّدة والمرسومة لهذه الحملة".

ولقد شارك في تأسيس الحملة أكثر مِن خمسمائة من العُلماء وطلاب العِلْمِ مِن عشرات الدِّول العربيَّة والإسلاميَّة، ومن جميع أنحاء العالم، ومن بين الأهداف الإستراتيجيَّة للحملة:

- العمل على توعية الأُمَّة بمُخطَّطات أعدائها، ودعوتها للحفاظ على هُويَّتِها.

-        استنهاض الرُّوح الإسلاميَّة لدى المسلمين لخدمة دينهم وأمتهم والدِّفاع عن حقوقهم.

- العمل على التَّنسيق والتَّكامل بين الجهود الشَّعبيَّة والرَّسميَّة في بلاد المُسلمين لخدمة القضايا الإسلاميَّة والإنسانيَّة.

- العمل على التَّواصل الفعَّال مع الشُّعوب والمُؤسَّسات والهيئات العالميَّة الرَّافضة للظُّلم والتَّسلُّط على الشُّعوب ومُقدَّراتها.

- توضيح الصُّورة الحقيقيَّة للإسلام، وإبراز الجوانب الأخلاقيَّة والإنسانيَّة في تشريعاته.

- كَشْفُ زَيْف الحملات المُغرِضة ضد الإسلام.

- دَفْعُ عُدوان المعتدين بالوسائل المشروعة المُمْكِنَة.

ومن بين المبادئ التي تنطلق منها الحملة:

- برامج ونشاطات الحملة مشروعةٌ وسلميَّةٌ.

- يختصُّ عَمل الحملة بمقاومة العدوان المُوجَّه إلى الإسلام والمسلمين والبلاد الإسلاميَّة مِن العدوِّ الخارجيِّ، ويُسْهِمُ في دفعِ الظُّلْمِ الواقع على الشُّعوب غير الإسلاميَّة.

- تقوم برامج ونشاطات ومواقف الحملة على الدِّراسة والمعرفة والمعلومات.

- الحملة عالميَّةٌ شعبيَّةٌ لا تنحصر في بلدٍ ولا تتبعُ دولةً ولا تُمثِّلُ حزبًا.

- الحملة خيريَّةٌ غير هادفةٍ للرِّبْحِ.

- اعتماد مبدأ الشُّورى في الحملة، وتساوي جميع أعضائها المُؤسِّسين.

- العمل في الحملة متاحٌ وِفق النِّظام لجميع الأفراد والشُّعوب والمُؤسَّسات والهيئات العالميَّة الرَّافضة للظُّلمِ والعدوان.

المصدر : موقع منبر الأقصى

 

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0